يمكننا أن نبدأ حديثنا هنا بقائمة : قائمة بالمخاطر والتهديدات أو بالحروب والانتفاضات التي أُجهضت وبالثورات غير المكتملة. قائمة بأسماء الذين قتلوا، بكلّ شهدائنا.
لكن لم نعيد التذكير بما يعرفه الجميع، بما يقرؤونه ويرونه و يشعرون به: وهو أن السعي إلى السلطة و جشع الأقوياء يدمران العالم مجددا.
فكيف نواصل ؟ نحن الذين واللواتي عشنا صخب الحشود ونهب القصور وقوة الحنان؟ كيف نواصل في وجه الرُّعب والعجز كيف نواصل الدرب كثوار؟
هنالك المتهكمون و“الواقعيون”, من أعماهم الخوفُ من الضعف فقالوا إنّ علينا الاختيار بين من يقتلون شعوبهم ومن يعتقدون أن بإمكانهم إبطاء سقوطهم عن طريق إعلان الحرب على العالم.
هنالك المستسلمون وفاقدي الأمل، المنهكون والمنهكات، اليائسون واليائسات، وهم أشخاص قد نراهم مجددا ضمن صفوفنا يوماً ما. وهنالك نحن.
نحن الذين نبكي. نحن الذين نشعر بالضعف. نحن الذين نشك أحياناً ونحن أيضاً الذين لم نستسلم. لم نتخل عن بوصُلتِنا ولم نرم الشعلة. لم نفقد أمل الانتقام لأحبائنا ولا أمل أن نشهد نهاية هذا الليل الطويل.
نحن الذين بدل أن نكون سجناء صدمة الحاضر وقنابله نبحث عن الذين واللواتي يستمرون في المقاومة. لأننا ما نزال نتذكّر قوّةً كانت قد استيقظت من انتفاضاتنا. وإن كانت العقول تميل إلى النسيان فالذكرى محفوظة في الجسد.
نحن الذين نرى أن هذه القوة لا تزال حية ومرئية، وأنها لا تزال كامنة في جيل من المنتفضين، جيل يصرخ في وجه العالم بأن المعركة لم تحسم بعد.
هي ذات القوة التي أظهرَها رفاقنا في النيبال عندما أزالوا البرلمان بألسنة اللهب. وهي ذات القوة التي تجلت في الجلسات العامة ضمن الاحتجاجات الصربية، تلك المجالس الهائلة التي نظمت الانتفاضة من الأسفل شهراً بعد شهر. هي قوة أهالي القرى اللبنانية الصامدين على أراضيهم رغم أوامر جيش الإحتلال الإسرائيلي بالإخلاء. هي قوة الفلّاحين الفلسطينيين الذين يعيدون غرس زرعهم مرّةً تلو الأخرى بعد سقوط القنابل. وهي القوة التي نشعر بها في غرف الاستجابة الطارئة السودانية التي تكمل، في الداخل وفي المنفى، النضال الذي بدأته لجان المقاومة الثورية الجبارة.
إن الشعور بهذه القوّة الجماعية هو ما يثبّت عزيمة رفاقنا وصمودهم في أدغال ميانمار و تشياباس، وفي الخنادق الأوكرانية وجبال روجيلات وعلى متن السفن التي تخوض غمار المتوسط لتتحدّى للإبادة الإسرائيلية. وإن الشعور بهذه القوة هو ما يدفع الحشود في إيران ومينيابوليس والبيرو وإندونيسيا والفليبين والمغرب ومدغشقر إلى مواجهة الموت الذي تهددهم به أنظمة تكره شعوبها.
أجل قوتنا هذه حقيقية، لربما كانت متخبطة أو ناقصة أو متشرذمة، إلا أنها حقيقية على عكس ما تحاول أن توهمنا به قوى الثورة المضادة، يمينية كانت أم يسارية. ولن يستطيع أيّ حزب، ولا أيّ مخلّصٍ، أن يوحّدها نيابةً عنّا.
علينا أن نؤدَي هذه المهمة بأنفسنا: أن نبحث عن بعضنا, أن نتعرّف على بعضنا و أن نظهر للعالم ولأنفسنا القوة الكامنة فينا- القوة التي تنبثق حين نجتمع.
هذا ما نلقي عليه اسم مجاورة. التشارك وجمع الجهود ومشاركة الأدوات ومد صلات وصل متينة لنصمد معًا في وجه تحدّيات هذا الزمن. جوار ثوريّ بدأنا في نسجه انطلاقاً من كلّ البلدان والفضاءات والقوى الشعبيّة التي أنجبتها نضالاتنا السابقة هذه. لا تبنى هذه الـمجاورة بالكلام الفارغ ولا بالبيانات حول كلّ هزة تضرب العالم. بل تُبنى، وستُبنى، بعيداً عن الرادارات في أنفاق الثورات الآتية.
للبدء في نسج الجوار العابر للحدود، سننظم فعاليات أممية في القارات الخمس وطوال شهر حزيران/يونيو في كل الأماكن التي خلقت قبل الانتفاضات، أو معها أو على إثرها، وصمدت طوال هذه السنوات رغم المصاعب: مجالس أحياء، وفضاءات مستقلّة، ومراكز اجتماعية، وبيوت تحولت لملاذات، ومزارع جماعية، ومكتبات مُدارة ذاتيًا، وتعاونيات.
وتتضمن هذه الفعاليات كل ما يمكن أن يجسد الجوار الذي نحتاجه مادياً أو رمزياً : لقاءات وفعاليات سياسية وموائد جماعية، واحتفالات وحملات جمع تبرعات، ومسيرات وطقوس تكريم لمن فقدوا حياتهم أثناء المسيرة.
نسعى خلال هذا الشهر إلى تعزيز العون المتبادل على مستوى العالم، و خلق أماكن جديدة من خلاله، تسمح بشق الطرق وترميم الجسور ونسج تحالفات جديدة، وقد تساهم في المستقبل في التئام الجراح وولادة آمال جديدة.
هذه المرحلة ليست سوى خطوة - لكنها خطوة حاسمة: خطوة البناء البطيء لقدرات مادية متجذّرة، تلم قوتنا المشتتة حول العالم. من الجغرافيات التي اعتدنا أن نسمّيها:
تايبيه، مكسيكو، نانسي، وادي البقاع، برلين، سانتياغو، تلال غالواي، باريس/مونتروي، دمشق، بروفانس، جبال ليموزين




